أبي منصور الماتريدي
28
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأما الإدراك : فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء . ألا ترى أن الظل في التحقيق يرى ، لكنه لا يدرك إلا بالشمس ، وإلا كان مرئيّا على ما يرى لوقت نسخ الشمس ، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد ، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته ، وكذلك الظلمة ؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به ، وبالحدود يدرك الشيء ، وإن كان يرى لا بها ؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر ؛ لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين ، ولا قوة إلا بالله . والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء ، ونفي كل معنى من الخلق ، ولا يفسر بما لم يجئ ، والله الموفق . ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا « 1 » لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم ، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى ، ولما حل فيه المرئي بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد ، ولو جازت الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به . وقال « 2 » الشيخ - رحمه الله - : وهذا خطأ ؛ لأنه قدر برؤية « 3 » جوهره ، وقد علم أن غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلا عن إدراكه ببصره « 4 » ؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم ممّا يروننا من حيث لا نراهم ، والجثة الصغيرة نحو البق « 5 » ، ونحو ذلك مما يرى لنا « 6 » لو توهم مثل ذلك البصر لما احتمل الإدراك ، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا ، ويسمع جميع أقوالنا على ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله ، وذلك عظيم ، وكذلك ما ذكر من نطق الجلود ، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيما . وبعد ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من « 7 » الحجب ، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله وجده مستنكرا ، وإذا
--> ( 1 ) في ب : إذ . ( 2 ) في ب : قال . ( 3 ) في أ : رؤية . ( 4 ) في ب : بصره . ( 5 ) حشرة من رتبة نصفية الأجنحة ، أجزاء فمها ثاقبة ماصة على شكل خرطوم ، ومنه ضروب . ينظر : المعجم الوسيط ( 1 / 66 ) [ بق ] . ( 6 ) في أ : لما . ( 7 ) في أ : في .